إلى من قال: الحشد والمصير المجهول!

لم يمض إلا ثلاثة أيام عن سقوط مدينة الموصل حتى أعلن المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (حفظه الله) من حوزة النجف الأشرف فتواه للجهاد الكفائي على لسان ممثله داعيًا الناس إلى حمل السلاح والانخراط في صفوف الجيش للدفاع عن حياض العراق وترابه، وقد كانت تلك الفتوى بمثابة صعقة نزلت على أعداء الدين والإنسانية ممن دعم كيان داعش المنحرف، وتحديًا كبيرًا لهم ليواجهوا قوى هدفها أحد الحسنين إما النصر وإما الشهادة. وبعد الانتصارات الكبيرة التي تحققت على يد أولئك الشباب والقضاء على داعش عن بكرة أبيها، علت بعض الأصوات النشاز لتقول أن الحشد سوف ينتهي أمره بانتهاء أمر داعش وإنَّ الخلافات السياسية ستؤثر في نُظم الحشد وبقائه، والواقع أن الأمر مختلف كل الاختلاف عما قالوه وأرادوه لأمور عدة منها:

أولًا: بنظرة موضوعية إلى فتوى المرجعية المباركة نرى أنَّ فيها دعوة إلى انخراط الجهاديين في صفوف الجيش والقوات الأمنية، لغرض تسليحهم من قبل الدولة نفسها، علاوة على تدريبهم وإرسالهم إلى جبهات القتال، وقد كانت الحرب ضد هؤلاء الشرذمة بتخطيط من القيادات العسكرية العليا في الدولة، وصُرفت لهم رواتب مخصصة لهم من الميزانية، لأنهم قوات نظامية عراقية، وجزء من القوات المسلحة العراقية، تأتمر بأمرة القائد العام للقوات المسلحة، فلم تنص الفتوى على تشكيل قوات أمنية موازية لقوات الدولة والمؤسسة العسكرية، بل في صفوفها. وقد أشار الكاتب والمحلل السياسي المعروف سالم مشكور في مقالة له نشرها عبر موقع هيأة الحشد الشعبي أنَّه: (لا يصح الخلط بين نهاية داعش في العراق ونهاية الإرهاب فيه، فالأولى تحققت والثانية ما زالت، والإرهاب سيظل يحاول العودة بصورة جديدة ولون جديد، وهو ما يستدعي الحذر واليقظة والمحافظة على عناصر القوة التي مكنت العراق من تصفية وجود داعش على أراضيه)، لذا فإنَّ حلّ الحشد الشعبي سيترك فراغًا أمنيًا كبيرًا وبالأخص في المناطق التي تم تحريرها من قبل القوات العراقية مؤخرًا.

كما أنَّ الدعاة إلى حل الحشد الشعبي هم داعمي داعش وناصريها سواء بالمال أو بالسلاح والتدريب من الجهات الإقليمية والدولية التي يضرُّها وصول العراق إلى الاستقرار الأمني والتطور الاقتصادي المترتب على الأمن، خلافًا لإرادتهم في جعله إياه ساحة حرب خاصة بين السنة والشيعة. إلا أنَّ الشعب العراقي أثبت أنه أقوى وأكبر من هذا الشيء وأنَّ الطائفية النكراء لن تعاد مرة أخرى.

ثانيًا: انخرط في صفوف الحشد الشعبي التابع إلى المؤسسة العسكرية أبناء العراق الذين حضروا المعارك بهدف يسمو على جميع الأهداف الدنيوية قدرًا ومرتبةً، فلا يمكن أن تسهم خلافات السياسيين في تفكيك الحشد وبأي شكل من الأشكال، لأنهم تركوا تأثيرًا كبيرًا في معاركهم ضد تنظيم داعش التكفيري، وإن وجدت الخلافات فلا يمكن أن تعلو  على أهداف الحشد السامية. كما إن التنوع الديني والمذهبي والقومي لمقاتلي الحشد وتجاربهم التي اكتسبوها خلال مقارعتهم قوى الظلم والطغيان أخرجتهم بخبرات قتالية عالية ولهم عقيدة يتصدون بها من يستهدف أمن العراق ووحدة أراضيه ولو كان لنا بعد سقوط النظام البائد مثله لما تكبدنا الخسائر البشرية والاقتصادية أو عانينا من الآلام والمآسي التي تعرض لها العراق خلال سيره نحو التقدم والازدهار كالطائفية أو التصفيات الاجتماعية والثقافية والعلمية والتي نالت من العراقيين ما نالت، ولما صار لدينا هذا الحجم من الشهداء والأرامل والأيتام.

العراق بحاجة إلى لملمة جراحه وتطوير قدراته وتنميتها ليخرج الآن أو في المستقبل القريب بجيل ينتهج من التقدم والرقي منهجًا له.