تأثير المؤسسات والمنظمات المدنية في تنمية الشباب

يقول الشيخ محمد الصادق عرجون رحمه الله: "الشباب عصب الأمة وموضع آمالها وهو الذي يقود الأمة في مستقبل حياتها، فإذا لم يلق توجيهًا تربويًا يقوم على دعائم الفضيلة والتمسك بآداب الدين فإنه سيذهب بكل عمل نعمله، ويهدم كل بناء نبنيه"[1]، لذلك نحن أمام مشروعين مهمين للغاية، الأولى هو توجيه شباب الحاضر وتوعيته ليقوم بدوره في إصلاح نفسهينفع الأمة بنتاجه وعمله المتواصلين، والثاني إنشاء شباب تنشئة إسلامية صالحة وهدم العوائق التي تواجههم.

إنَّ ما تحدثتُ عنه في الأعداد السابقة من هذه المجلة الموقرة مثل تعريف الشباب وبيان دوره والمشاكل التي تواجهه في المجتمع العربي وإلخ.. من المواضيع الخاصة بالشباب، تدعونا إلى الإشارة إلى بعض المنظمات والمؤسسات المدنية الشبابية، وأخص منها بعض المنظمات التي تقودها فئة من الشباب الواعية المطلعة على ما يحيط بالمجتمع من مشاكل سياسية واجتماعية واقتصادية، حيث سخَّرت هذه المشاكل كأدوات لحل الصعاب وتذليلها، بالطبع لا ننسى أنَّ للمجتمع تأثير كبير في تنشئة الشباب ولكن لمفاهيم "التفكير" و"العقل والتدبُّر" لدى الشاب نفسه خصوصية مهمة لا ينبغي المرور عليها مرور الكرام، بل ينبغي إيجاد طرق ووسائل سليمة تقوم بدورها في تفعيل خاصية "التفكير" لدى الشاب نفسه، ليقوم بدوره في معرفة مفهوم "العقل والتدبُّر" في نفسه، ليعي دوره في إيجاد أبسط الحلول الخاصة بحياته.

سوف أذكر لكم تجربة مرر بها بعض زملائي قبل عدة أعوام، حينما بدأت المنظمات المدنية تبدأ بأنشطتها الفعلية بلمِّ شمل الشباب الجامعيين لتحقيق أهدافها الخاصة على حساب أهداف الجامعيين ومسؤولي الجامعة الكفوئين.

نظمت قبل أعوام مجموعة من الشباب الموعودين بتعيينات رسمية ووظائف لطيفة في مفاصل الدولة، منظمة كانت تبدو مدنية مستقلة غير تابعة لأية جهة سياسية، تقوم بأنشطة مختلفة منها إقامة مؤتمرات ومحافل حول مواضيع مختلفة كانت ذات منفعة للشباب في بداية الأمر، وكذلك سفرات إلى بعض مناطق العراق، ولكن في بطائن الأمور كانت هناك جهة سياسية تتحكم بهذه الفئة النشطة من الشباب تهدف إلى إخراج بعض مسؤولي الجامعة والحقيقة أنهم قد لمَّوا شمل الشباب الجامعيين آنذاك، غير مدركين نتائج أفعالهم بأنَّهم سوف يكونون أدوات مؤقتة لحل بضع الأمور المتعلقة بالسياسة، والنتيجة خرج المسؤولين من مناصبهم وتخرج الطلبة من تخصصاتهم دون تحقيق تلك الوعود، من ثَمَّ قلَّت ثقة الطلبة أو بالأحرى الشباب بالمنظمات المدنية وانقطعت عن تلك المنظمة وبالتالي تعطلَّت نشاطات تلك المنظمة بعد تحقيق أهدافها السياسية الخاصة بها. لا نجزم بقولنا أنَّ جميع المنظمات المدنية تابعة إلى جهات سياسية بل إنَّ هناك منظمات مستقلة ولكنها قليلة النشاط أو معدومة، بسبب انشغال مدرائها بوظائف أخرى وعدم التفرغ أو دخلها القليل وعدم تمكنها من تأمين مصاريفها الشهرية كإيجار المبنى وغير ذلك من المصاريف التي تُفرض عليها لإدامة نشاطاتها.

 

كانت المجالس الثقافية في الكاظمية المقدسة وبغداد والمدن الأخرى فيما مضى رغم تعرضها إلى مضايقات النظام البائد موضع اهتمام شباب السبعينات والثمانينات وكانت توصل الأهداف التي كانت يجب أن توصل إلى الشباب بطريقة لطيفة ليعي الشباب ما يحصل حولهم، وما يجب أن يتصرفوا ليحلوا أزماتهم، وكانت المجالس تلك تشجِّع على المبادئ السامية وتوقي الشباب الانحراف الفكري والسلوكي وتمنع الأفكار الضالة أن تعصف به وتتجاذبه يمينًا وشمالًا، وينبغي على المنظمات الحالية أن تتخذ المنهاج نفسه باستخدام الطرق والوسائل الحديثتين، وهذه ما أراه في إحدى المنظمات التي نشأت في خارج العراق بيد ثلة من الشباب المؤمن المغترب من أجل إكمال دراساته الأكاديمية، حيث تجد المحاضرات التوعوية وإعلامهم السليم البعيد عن أساليب التطرُّف كلها من أجل تذليل عقبات الشباب الآخرين ومساعدتهم وهي مبادرة طيبة ومجانية من لدنهم. فقد أثبت هؤلاء الشباب قدرتهم في إثبات قدراتهم وتمكين قدرات الآخرين ليقوموا بالدور نفسه وهكذا تتقدم الأمة والمجتمع.

وحين ننظر إلى التأريخ الإسلامي والروايات المتواترة عن الرسول الأكرم (ص) نرى أنَّ النبي الأكرم (ص) نفسه كان يبادر إلى توكيل ثلة الشباب المتمكنة مسؤوليات لم يوكلها إلى غيرهم، إيمانًا بهم وتبيانًا لدور الشباب ومدى أهمية الثقة بقدراتهم مثل تكليفه لأسامة بن زيد بن حارثة قيادة المسلمين بغزو الروم في الشام مخبرًا إياه "وأبلغه بالسير إلى مقتل أبيك، وأوطئهم الخيل"[2]، ونماذج أخرى كثيرة ينبغي الوقوف عليها ودراستها لإنشاء جيل واع مثقف يلحظ الانقلابات الفكرية المجتمعية بدقة ويقوم بتفصيلها ودراستها بشفافية، مثلما حدث في المثال الأول حيث انتهى بهم المطاف التخرج دون تحقيق أهدافهم ولا ننسى أنَّ هذه النشاطات منعتهم حتى من الالتزام بواجباتهم الجامعية وحتى الأسرية، لانشغالهم بأهداف بعيدة المنال.

 

 

[1]. محمد الصادق عرجون، الدين منبع الإصلاح الاجتماعي، منشورات معهد الإسكندرية الديني (1959)، ص43.

[1]. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج1، خ الشقشقية، ص159.