تداعيات هجرة الأساتذة العراقيين إلى الخارج..

منذ عام 2003م؛ أي منذ سقوط النظام البائد وانفتاح العراق على العالم الخارجي، بدأت الهجرات الدراسية تتصاعد وباطراد إلى خارج العراق وخاصة لإكمال الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه)، فكانت أغلب وجهاتهم نحو الدول النامية ودول العالم الثالث لقلة تكاليف الدراسة فيها وسهولة الحصول على شهادة عليا تؤهلهم لنيل وظائف حكومية جيدة أو بهدف زيادة المردود المالي من الرواتب الوظيفية لضمان حياة كريمة وممارسة نشاطاتهم العلمية ودفع التكاليف المالية اللازمة لها. الأمر الذي تسبب في نقص الملاكات التعليمية وقلة الخدمات الدراسية التي أدت إلى هجرة الطلبة وتركهم البلاد فضلاً عن استقطاب الجامعات العالمية للدارسين الأجانب من خلال تقديم التسهيلات وإصدار الشهادات المعترف بها دولياً.

 

إسقاطات هذه الظاهرة على واقع المجتمع العراقي

لقد بلغ عدد الطلبة الدارسين خارج العراق للدراسات العليا والأولية 14 ألف طالبًا وطالبة في العام 2013، موزعين حول العالم في 53 دولة بتخصصات ودرجات علمية مختلفة، والآن في عام 2018 بلغت هذه الأعداد أضعاف مضاعفة نتيجة للتسهيلات الدراسية المقدمة من قبل الدول المجاورة التي يمكن أن نقول عنها بأنها قد فتحت أبوابها على مصراعيها، اشتملت خدماتها انخفاض نسبة الأجور ورصانة المادة العلمية المقدمة، وغيرها من الأمور التي تشجع الطالب العراقي على السفر إلى خارج العراق لإكمال دراسته، والأمر المشجع الآخر هو اعتراف وزارة التعليم العالي ببعض الجامعات الأجنبية مما يرفع هموم الطالب كليًا عند معادلة الشهادة بما يوازيها من شهادة في العراق.

إن لهذه المشكلة أثر كبير على واقع المجتمع العراقي فهي تلقي بظلالها على كل مفاصل الحياة اليومية بل وتتعدى ذلك إلى التأثير على مستقبل الأجيال القادمة لما يتمتع به الأساتذة من دور بالغ في تنشأة وتدعيم الجانب العلمي لدى الشباب المتطلع نحو غدا أكثر إشراقاً، ومن ضمن أسباب هذه المشكلة التي يمكن أن نسلط الضوء عليها ما يلي:

  • عدم توفر الأمان للأستاذ، فقد حدث أن تعرض الكثير من الأساتذة إلى الاستهداف الأمني أو إلى مضايقات من قبل الطلاب.
  • عدم مراعاة الأستاذ من الناحية الاقتصادية أو عدم تشجيعه بعلاوات مستمرة نسبة إلى الإبداع الذي يقدمه طيلة خدمته.
  • عدم تعيين الخريجين العراقيين ممن أكمل دراساته العليا في الدول النامية ولم ينل فرصته في التعيين بسبب المحسوبية الحزبية والمجتمعية.
  • عدم إعطاء حق الأستاذ من الاحترام الواجب له من قبل الطلبة والمجتمع نفسه، مما يجعله يشعر بعدم ارتياح نفسي وهو أمر بدوره يضعف إرادته في تقديم الأفضل.

هذه المشاكل بحق تحتاج إلى معالجة صحيحة تجعل الأستاذ في غنى عن التفكير في الهجرة أو البحث عن فرص في الدول الأخرى.

 

استقطاب التعليم العالي لطلبة البلاد

كثيرًا ما نرى أنَّ خريجي تخصص معين وهم في مرحلة البكالوريوس يجدون صعوبة بالغة في إكمال دراساتهم العليا في العراق، وتعزى هذه المشكلة إلى عدم توفر أساتذة بالعدد الكافي الذي يلبي حاجة الطلبة، فيضطر إلى السفر إلى خارج العراق لإكمال دراسته، ولو نظرنا قليلًا نرى أنَّ هذه المشكلة بقدر ما هي مشكلة علمية، فهي تمثل مشكلة اقتصادية تؤدي إلى إخراج أموال البلاد إلى الخارج وقد فتحت الجامعات الأجنبية ولله الحمد أبوابها على مصراعيها لتستقبل الطلبة العراقيين برحابة صدر، ليس لأنهم كفوئين وأصحاب معدلات جيدة نسبيًا فقط، بل للدولارات التي سوف تدخل خزائنهم. فكيف كان الأمر لو دخلت أموال الطلبة إلى خزينة الدولة أمام تقديم فرص دراسية وبأجور أقل والقيام باستضافة أساتذة كفوئين لسد حاجة الجامعات إلى التدريسيين؟ وماذا عمَّن أكمل دراساته في الخارج وهو على أتمِّ استعداد لتقديم خبراته وتجاربه لبلده؟

لا يعقل أن تخلو البلاد من أساتذة جيدين أثبتوا خلال دورات وسنين مختلفة جدارتهم للتدريس وتخريج أجيال بإمكانها أن تقود الطلبة إلى الصلاح والإصلاح، وإن لم يكن هناك أساتذة كفوئين لتدريس هؤلاء الشباب والطلبة فبإمكان الدولة استضافة أساتذة أجانب مجربين وكفوئين بمختلف التخصصات للقيام بتدريس الطلبة وإدخال الأساتذة أنفسهم في ورشات علمية عملية للقيام بتطوير قدراتهم وتنميتها. لابد من الإشارة إلى مدى سوء وضع بعض الطلبة الذي عُصفوا بالأفكار الأجنبية والتي أثرت فيهم الحروب الناعمة التي بدأت ضد جهات معينة وأخذتهم على حين غرة وأشركتهم فيها دون وجود مجال للعودة، حتى غدى بعضهم كأنهم تابعين إلى جهات معينة غير معروفة جراء افتقار البلاد إلى أساتذة أكفاء.

تبلغ تكاليف الدراسة كتخصص إنساني في الجامعات الأجنبية ما بين 3 إلى 4 آلاف دولار، غير أجور السكن والطعام والنقل ودورة تعلم اللغة الثانية، بعيدًا عن الضغط النفسي الذي يعانيه الطالب إثر تغربه وابتعاده عن أهله وأقربائه، في حال أنَّ التعليم العالي فتحت دراساتها هذا العام بالنسبة إلى التعليم الخاص 5 ملايين دينار للعام الواحد وهو أمر ينبغي معالجته بطريقة تشجع الطالب العراقي على إكمال دراسته في العراق.. ولن يتحقق ذلك إلا بتخفيض الأجور.