فتيةُ الحشدِ .. صُنَّاعُ التأريخِ والحضارةِ

سأعتذر إلى جلجامش وملحمته المخلدة طوال التأريخ.. سأعتذر إلى حمورابي وقوانينه.. سأعتذر إلى تأريخي وحضارتي الغابرتين وكل ذي شأن فيهما عاش في بلادي الرافدين.. سأعتذر إليهم اعتذارًا شديدًا، لأنني سأستبدلهم بدماء زكية نقية، سُفكت لأعيش وأكتب.. سأعتذر إليهم جميعًا فردًا فردًا لأنني قابلت أناسًا لستُ مستبدلهم بأي تأريخ أو حدث مصيريٍ مضى، ولستُ مبالغًا ولا مترددًا بمن سأستبدلهم، لأنني عرفتُ من هم أرقى وأنقى، فقد غدوتُ أفخرُ بهم كل حين وكلما يُذكر اسمهم في الأمصارِ، فهم إخوتي بل نفسي، آمنتُ بهم لأنهم فتيةٌ كتبوا تأريخ بلاد الرافدين الجديد وحضارته بدمائهم الطاهرة، ولأن التأريخ سوف لن يجرؤ على نكرانهم فضلًا عن مناطحتم، فهم عمالقة الدهر ومناره.. وهم أكبرُ من أي يقارنُ بكم..

والآن.. غدوتُ أؤمن بمواقف زلزلت الأرض والجبال، حين ساروا إلى حتوفهم ليوطئوا كيان الجهل والكفر الخيل، لأنهم وُلُّوا تمثيل نخوة الأخوة العراقية وحميتها. فلا يهُمني إن وُصفوا بوصفٍ لا يليق بهم وما قال القائلون فيهم، فإنَّ ما يهمني هو ما رأيته بأم عيني حين وقف لافَّا نفسه بعلم العقيدة مستهدفًا مدرعة مفخخة وهو على دراية أنَّ شظايا الانفجار وصعقته سوف تنال منه، وهو ينادي "هيهات منَّا الذِّلة".. وما همني حين لم تعترف بهم الدول، لأنني رأيتُ بأم عيني شابًا من الحشد وهو أنموذج واحد من هؤلاء الفتية، فَقد إحدى يديه وإحدى قدميه، فقيل له ما تتمنى، فصرَّح بكمال سعادته أن يهب الله له ما فقده، ليعود إلى ساحات الوغى، كأنه اتخذ من العباس (عليه السلام) قدوة له، عذرًا إليك يا تاريخ.. صرتُ الآن أميِّز بين ما دونَّه المنتصرون وما أراه بعيني، عذرًا إليك يا تاريخ .. لن أقول منذ الآن عبارة (إنَّ التأريخ أعاد نفسه)، لأنك لا تحمل ولم تحمل في ثناياك مثلهم، عذرًا يا تأريخي فلا أرى في طويتك قصصًا عن فتية أخذوا من حمية الكرار وشهامته مثلهم.. ولم أرَ فيك قصصًا عن فتية أخذوا من الحسين رمزًا للبطولة والفداء كهؤلاء.. وعذرًا إليك لأنك لم تشهد من أخذ من صبر زينب (عليها السلام) ومصيبتها رمزًا للثبات.. وكم من مرةٍ عاد مشهد علي الأكبر وكم من مرةٍ رأيتُ ابنًا في حضن أبيه يودَّعه ويرنِّم في أذنيه عبارة سأقف أمام الحسين رافعًا رأسي.. فسامحني إن لم أطعك حين أمرتني بالبقاء مع أمي وأنت في جبهات القتال.. وكم من مرة رأيتُ نظير حبيب بن مظاهر يركض من مرصد إلى مرصد يقنُص أعداء الإنسانية واحدًا تلو آخر .. عذرًا إليك يا تأريخ فلم تشهد مثله .. مغوارٌ كرارٌ يفدي بنفسه لئلا تعادُ مصيبة الحسين (عليه السلام) ولئلا تسبى النساء والأطفال مرتين! لم تشهد يا تأريخي امرأة فقدت أولادها الثمانية من أجل أرض الحسين (عليه السلام) أسوة بأم البنين (عليها السلام) حين ضحَّت بأولادها من أجل الحسين (عليه السلام) نفسه .. عذرًا يا تاريخي فرجال الحشد ولدوا للحشد والشهادة، فلم تشهد مثلهم.

وعذرًا إليك وكل العذر لأنني سأبدأ كتابة التأريخ من الوقت الذي صدرتْ فيه فتوى الجهاد الكفائي وبدأت الملاحم تتسطر الواحدة تلو الأخرى ..