التطرف بين التمويل وغسيل العقول

أحيانًا حينما نفكر مع أنفسنا أنَّ هل من المعقول أن يأتي أشخاص والمقصود أفراد تنظيم داعش الإرهابي من بلدان ومدن تبعد عن العراق آلاف الكيلومترات، برفقة أًسَرهم وشرذمة من أبناء جلدتهم، مخاطرين بأنفسهم بأنواع الشدائد هادفين نشر ما يدَّعونه عن الإسلام في بلدان عُرفت في الآفاق بإسلامها المُحكم، في حين تعاني بلدانهم أنفسهم من الفساد المتفشي، نجد أنَّ وراء هذه الطامة الكبرى أيد خفية، تسعى سعيها وتكد كيدها إمَّا بغسل عقول ضعاف الناس أو بشرائهم بالأموال أو بإغرائهم بالنساء والغنائم، ولكن الذي رأيناه خلال قتال الحشد الشعبي والقوات الأمنية والتي أسفرت عن تشتيت قواهم وتدمير نفوذهم ومواقعهم في البلاد، ليست حصيلة اليوم ولا الأمس، بل هو عمل مبرمج ومنظم طال سنين عديدة. سنين من خطب الجمعة المتطرفة والأحاديث المزورة تأتيها الدعم المالي والمعنوي من البلدان الأجنبية قريبة كانت أم بعيدة، ويأتيها الرجال والنساء عبر الدول المجاورة ترافقهم دعاة العهر والفسوق محللين حرام الله ومحرمين حلال الله.

يعمل الرجال منهم في مهام عديدة منهم من يقاتل في جبهات القتال ومنهم من يشتغل بمهام أخرى كأن الأرض ملك لهم يسيحون فيها ويقترفون فيها ما شاؤوا من أفعال كقتل الناس وإبادتهم، غير مكترثين بالأحكام الإلهية المنزلة، جاعلين ممن اختلف معهم في الفكر عدوًا لهم. أما يعتبرون اليهودي والمسيحي عدوًا لهم لأنهما يختلفان معهم جذريًا من حيث الفكر والعقائد؟ بلى، ولكنهم يهدفون إزالة الإسلام وتبديله بإسلام أُنشئ على أيديهم طبقًا لأهواء أسيادهم حيث نشأت تلك المذاهب الباطلة من أمثالها الوهابية التي جعلت من القتل والفتك أداتين لفرض ما أرادوا فرضه، وجعلوا من العصيان فرصة لنيل ما هوته نفوسهم، ألا تبًا لهم. فالذي تربَّى في أمكنة بعيدة عن شتى أنواع التعليم وكذلك مقومات الدين الإسلامي الحنيف مفتقرًا للإيمان، أفضل الأهداف لغسل دماغه، فهو سريع القناعة بالأحاديث الجميلة والمشوقة التي تدعوه إلى رضا الرب والجنة والفوز بحور العين بقتل المسلمين الذين بالنسبة إليه يعتبرون من الكفرة، فيتخلى عن مبادئه وإن اقتنع بشيء فمن الصعب أن يقلع عن تلك القناعات. هكذا هي حال عصابات داعش التكفيرية وأخواتها من الرجال والنساء.

فسجون العراق امتلأت بالنساء الداعشيات اللاتي جرى اعتقالهن بعد مقتل أزواجهن، ومنهن من لا تعرف بأنها سوف تَقدم إلى العراق من دولة إلى دولة، ومن حدود إلى حدود، ومنهن من حملت جذور الفكر الداعشي المتطرف في أعماقها لتنقلها وأزواجها إلى أولادها، لينتقل هذا الفكر شيئًا فشيئًا عبر الأولاد والأحفاد فيدفع المسلمون ضريبة هذه الأفكار المتطرفة، بأرضهم وعرضهم وأموالهم، وإلا فكيف يُحكم على موقف الانتحاريين الذين يصل بهم الأمر إلى الحد الذي يقتل بشتى الطرق ومستعد للموت دون أن يتخلى عن فكره ولو جرى تقطيعه إربًا إربًا، وهي دلالة واضحة على تخلفه عن نعمة العقل التي وهبها إياه الله لمعرفة طريق الحق وتمييزه عن الباطل. أما كان الأجدر أن يحارب الباطل في بلاده أو في تلك البلدان التي يتعرض المسلمين فيها إلى شتى أنواع طرق القتل والفتك مثل دولة ميانمار وغيرها؟ أو أن يحارب تلك الأفكار الشاذة التي بدأت تتسرب عبر الإعلام المضل إلى الشباب؟ بلى ولكنه عنيدٌ متجبِّرٌ، جهد على إضلاله أناس آخرون بدعوة دعاة الكفر والضلالة المدعومين من الغرب واليهود الذين سعوا دومًا إلى تدمير الإسلام والمسلمين، مستهدفين الشعوب المسالمة.